القاضي النعمان المغربي
408
المجالس والمسايرات
وظهوره في الدار وسوء حال ذلك الداعي حمله ، فيما اتّصل به عنه ، إلى أن رخّص لهم في بعض المحارم « 1 » التي يستحلّها أولئك المشركون ، وأظهر بذلك الغمّة واستعبر وتأوّه ، وذكر أنّه قد أعمل الحيلة في تطهير تلك الجزيرة من ذلك الذي انتهى إليه عنه لكي يصلح اللّه ( عج ) أمرها . وذكر من أدّى ذلك إليه عنه ممّن وثق به من جماعة المؤمنين على بعد الدار ، فإنّهم ذكروا أنّ من أنكر ذلك منهم بالموضع جعل يسأل من قدم الحضرة عن ذلك هل فيها منه شيء ؟ فأعلمه بأنّ ذلك ليس منه شيء ، وأنّ الأمر على / إقامة دين اللّه ولزوم طاعته والقيام بفرائضه واجتناب محارمه . ( قال ) « 2 » : فحمد اللّه وشكره ذلك الرجل « 3 » وقال : إذا كان أصلنا على هذا ، لم يضرّنا فساد الفرع ، ونرجو أنّ الذي حدث فينا لا يغيّب عن وليّ اللّه لبعد داره وأنّ اللّه يوفّقه إلى ما يرضيه فينا وفيمن غيّر دينه عندنا . ثمّ تعجّب ( صلع ) من ذلك واستعظم الأمر فيه واستهاله ، وذكر آخر من الدعاة النائبين أيضا عنه وأنّه نظر إلى أهل جزيرته وأكثرهم يذهب مذهب الفلاسفة فاشتقّ لهم من كلامهم كلاما يدلّ بزعمه به على أمر أولياء اللّه ، لم يقولوه ولا أذنوا له فيه ، [ و ] خرج به عن نظام الدين وفارق به أصل أولياء اللّه / أجمعين . قال : فقدم عليّ بعض من أخذ ذلك عنه واستحكم في صدره منه فسألته عنه فأخذ في الكلام فيه : فلا هو أفاد كلام الفلسفة كما ذكره أهلها ، ولا هو أبان عن دين اللّه كما زعم ، وجاء من التخليط بما يخرج عن الملّة ويدعو إلى الكفر ، فجعلت إذا كسرت عليه لم ينفع الكسر فيه ولا أرى لقبوله حقيقة منه وإن تابعني عليه ، وإذا أرخيت له في عنانه فيما استحكم عنده رأيت أثر قبوله ، فعلمت أنّ ذلك وأمثاله ممّن داخله علّة لا يبرئه منها إلّا العلاج الطويل في اتّساع المدّة ، وتفكّرت في كثرة من لعلّه في مثل حاله من أهل ذلك الصّقع وكيف ينصرفون / عمّا تداخلهم من هذا البلاء العظيم ، فهالني ذلك . وقال : هؤلاء بمنزلة قوم تطلع عليهم الشمس وتغرب عنهم ولا يشعرون بها ولا يرونها ، وتمرّ آيات اللّه عليهم صفحا وهم معرضون عنها ، واللّه القادر على ما يحبّه
--> ( 1 ) أ : المحاربة ، والاصلاح من ب . ( 2 ) ناقل الخبر إلى المعز عن الداعي المنحرف . ( 3 ) المستفسر عن وقوع مثل هذا التساهل بالحضرة أو انعدامه .